بداية النجاح...احترام الذات
رئيسة مشروع ثم رئيسة مصلحة لدى مؤسسة ألمانية مرموقة، ومناصب أخرى تقلدتها السيدة صفية مرابط من اصل جزائري مقيمة في كندا منذ أكثر من ثماني عشرة سنة.
قدمَت إلى كندا مع زوجها بحثا عن فرص أفضل للعيش ووجدا في كندا مبتغاهما. فكندا لا تبخل على من يخلص في عمله كما لم يبخلا هما الاثنان في إعطاء المثل من حيث الأداء المهني والتواصل الإنساني مع المحيط المستقبل.
كون السيدة مرابط أما لثلاثة أطفال لم ينعكس ذلك سلبا على تربيتهم ولا على مردودها في العمل. فهي تسافر ضمن مهمات عمل أحيانا حتى إلى أوروبا إذ يُعول عليها كثيرا في بعض القرارات والبرامج المصيرية للمؤسسة لكن هذا لم ينسها واجبها الطبيعي كمربية أجيال المستقبل لهم من المتطلبات والاحتياجات ما يختلف كثيرا عن أجيال الماضي فلا مكان للغفلة معهم.
وإذا كان الإطراء هو غالبا من الآباء إلى الأبناء فالشأن مع الأم صفية يختلف، فأبناؤها هم من يُسمعُها عبارات الشكر والافتخار بها كأم قدوة في البيت وخارجه.
تبنت صفية في حياتها مبدأ الحوار والإقناع فهي تأخذ الأمور بمنطق الأشياء، وإن لم تجن النتيجة المرجوة فهي تفضل التعامل بعيدا عن الحساسيات " لسنا مجبرين على إقناع الآخرين ولكننا مجبرون على تبادل الاحترام والتعايش مع الاختلاف" عبارة ظلت المهندسة صفية مرابط تكررها طوال الحوار.
" كوني عربية متحجبة لم يشكل ذلك قط حاجزا أمام النجاح وإفتكاك احترام الآخرين في بلد تعددت مشاربه، ما يعجبني حقا هنا القيّم الجماعية من شفافية وديمقراطية ودبلوماسية في التعامل".
وتتقاسم السيدة صفية أعباء الحياة مع زوجها وتعلمت كثيرا في هذا البلد المترامي الأطراف الاعتماد على الذات، إذ تنصح كل امرأة بذلك حتى لا تقع فريسة تقلبات الزمن " عايشت عن قرب معاناة صديقة كنت أعرفها إذ فقدت زوجها، صعب أن تجد المرأة نفسها دون سابق تحضير رجلا برجل في زحمة الحياة، لهذا على المرأة أن تضع جانبا المساحيق وتخرج من شرنقتها، عليها أن تتعلم وأن تصنع لنفسها مكانا محترما".
كانت تتحدث بحرارة وتحاول قول الكثير وعلمت من نظراتها المتكررة لساعة يدها الأنيقة أن وقتها مضبوط و محسوب بدقة فحررتها من أسئلتي الكثيرة.
مبادرة مصرية للم الشمل
إذا كان في تراثنا ما يقول إن الحكمة يمانية ففي أيامنا ما يؤكد أن المبادرة مصرية، اتضح لي ذلك حين قابلت السيدة سحر شربجي.
ما إن هاتفتها حتى رحبت بفكرة اللقاء بأريحية بددت تعب يومي، وسريعا قررت ركوب المترو ثم الباص في اتجاه مدينة لافال إحدى ضواحي مونتريال.
اختيار المكان ترك لها حرية ذلك، إذ كان مطعما سابقا حولته حديثا الجالية المسلمة إلى مكان للعبادة والتناصح في سبيل الخير سعيا منها لإضفاء الوجه الحقيقي المشرق في نظرتها وتعاملها مع مختلف أطياف المجتمع الكندي الذي يتكون في أساسه من الوافدين من مختلف أصقاع العالم واعتبرت نفسي محظوظة وأن أتصفح كتاب الجنس البشري بأبعاده الطبيعية التي تتجاوز حدود الورقة.
داخل هذا المكان الذي لم يلملم أجزاءه بعد، ولم يصح كفاية من نشوة الأفراح العامرة بالملذات وساعات الأنس الموسيقي بدليل احتفاظه ببعض قطع الأثاث والسجاد القابع جنبا ينتظر وقت الرحيل، ذكرتني غربته العابرة غربتي أنا أيضا، المهم أنني جلست أرضا متربعة كما لم أفعل منذ سنوات إلى جانب السيدة سحر وسط دائرة تصنعها نساء الجالية العربية من مختلف البلدان جئنا لتعلم ما يفيدهن في حياتهن الأسرية والمهنية.
ما شد انتباهي منذ البداية هو الأفكار العملية القابلة للتطبيق ودون تعقيد والتي استهلت بها حديثها مخاطبة الحاضرات.
قالت سحر بلطف وخفة بنت النيل ذات المسحة القمحية " إن أهم مبدأ يقوم عليه المجتمع الكندي هو التطوع ودروس التدعيم المجانية الموجهة لأطفال المدارس...."، وأفكار أخرى قد يطول شرحها، لأن الأساس من مقابلتها هو رسم صورة ذهنية عن إرادة امرأة عربية بعيدا عن مسقط الرأس ومرتع الصبا.
وما إن فرغت الأخت سحر حتى انزويت بها جانبا لتحكي لي قصتها. "ابتدأ المشوار منذ اللحظة التي قدمت لي فيها الوكالة الكندية للتنمية الدولية منحة دراسة لتحضير شهادة دكتوراه، جمعت حقائبي و جئت إلى كندا بمعية أسرتي المتكونة من الزوج والأولاد وكان ذلك سنة 2000 والتحقت بجامعةUQAM وأنا حاليا أحضر رسالة ما بعد الدكتوراه(بوست دكتوراه) موضوعها سبل الاندماج الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة".
وهل الدراسة بكندا لها طعم خاص " طبعا كندا تفتح لك كل الآفاق الرحبة لتنهل من منابع العلم بشكل مريح وجذاب، الوصول إلى المعلومة هو العملة الحقيقية لهذا البلد، وهذا في حد ذاته محفز نفتقده نحن العرب. حيثما وليت وجهك وجدت روح المنافسة لهذا تجد الباحثين يعملون أكثر مما جعل هذا البلد في شقه الأكبر يتقدم بفضل العلم".
ما روته لي الدكتورة سحر بشأن العراقيل التي مازالت الدول العربية تكبل بها باحثيها لدرجة أنها تفقدهم في أوان قطاف بواكير نتاجهم ،هو الكلام ذاته الذي سمعته من أفواه الآخرين. اجتمع العرب هذه المرة في شكل المعاناة بين بلادة الذهنيات وصلابة العادات التي تستمد قوتها ليس من منطقها بل من العصبية التي تعشش بين جوانحهم لدرجة فقدان البصيرة. وبرغم من أن الغربة لا تعترف بالجميل لكنها بالمقابل لا تتربص بعثراتك ، يمكنك السقوط ثم النهوض دون أن تصبح حديث المدينة.
من جهتي اغتنمت مناسبة الثامن من مارس لأسال السيدة سحر عن واقع المرأة العربية خصوصا تلك التي تصبو لاعتلاء وظائف مهمة سواء في مجال البحث أو مجالات أخرى، فردت باختصار" لا يخلو الأمر من العراقيل وإن تلونت حسب الحالات فهي تبقى إسقاطا لنظرة واحدة لا تقبل المرأة المتحجبة، إذ لا يعني أن غير المتحجبة تشرّع الأبواب أمامها، فهي أيضا لها نصيبها من التهميش من لدن البعض".
لحظات من البوح الصادق، فتحت شهيتي على أسئلة أخرى كمن يريد أن يحفر أكثر ليصل إلى النبع، واقع يختلف فيه سلم القيم عما ألفناه بحلوه ومرّه في الوطن العربي، النجاح متاح والديمقراطية متوفرة فممن التخوف؟
بعد سنوات طوال من العيش في بلد المسطحات المائية وحلوى الكاستور وحظائر التزلج، ترى السيدة شربجي أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على مقومات الشخصية العربية الإسلامية التي نثرت بذور الإشعاع الحضاري ذات زمن من تاريخها العريق ، دون أن يكون ذلك مدعاة للانزواء والانعزال عن الوطن الحاضن الذي فتح أبوابه، فعلينا نحوه واجبات كما لديه أيضا ميزات إيجابية تستحق أن تؤخذ على محمل الجد والاهتمام.
"ما أخشاه هو حالة الاندثار التي يعقبها الانهيار بسبب الحرص الأعمى لبعض القادمين على الانغماس دون ترك مجال لإطلالة الرأس لتبين الطيب من الغث، فيظل التيار يجرفهم في غفلة منهم وحين تهدا الحركة بعد مرور الوقت يجدون أنفسها على بر الندم الذي يسلب فرصة العودة والتراجع، هم في واد وقيمهم في واد وأبناؤهم فلذة أكبادهم في بحر متلاطم الأمواج قد لا يدركه حتى البصر لأنهم مشوا بعيدا وأسرع من المتوقع".
لم تترك لي هذه السيدة التي تتألق أكثر كلما تحدثت أكثر مكانا بداخلي إلا وأزاحت عنه غموض السؤال، ودعتها وأنا أدور داخل راسي ما همست به " قد يكون المنصب منبرا تخوض من خلاله المرأة العربية غمار التغيير في مجتمع يفاجئك دون سابق إنذار، لكنه ليس هو المسلك الوحيد الذي أمامها، أقول هذا لأنني عرفت منذ مجيئي إلى كندا نساء ماكثات في البيوت لكنهن نجحن بشكل لافت للنظر في تنشئة جيل صالح يمكن أن يعول عليه، وقدمن خير مثال في العمل التطوعي حيثما كان، وأحسب أنني شرحت بكفاية مكانة العمل التطوعي داخل المجتمع الكندي".
إن من الحرية ما أنعش...دفاعا عن حقوق الإنسان
رغم تكوينها العلمي فإن السيدة سماء الابياري استطاعت أن تنال ثقة الجميع من خلال برنامج إذاعي أسبوعي تقدمه باللغتين الإنجليزية والفرنسية.
انطلاقا من ثلاثة محاور سياسي وثقافي وخدماتي يدور الحديث على الهواء مباشرة حول قضايا الراهن وما تحمله من تداعيات حول نظرة الغرب إلى العرب. و لعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت لحظة المواجهة الكبرى عبر الأثير ، وواجهتها المذيعة سماء وهي تنشط حصة تلت اليوم التالي من الأحداث وكان يوم أربعاء.
ماذا تقول لعالم بات على الصفيح الساخن يعيش مشهدا هوليوديا ضحاياه لن يعودوا إلى بيوتهم بعد التصوير؟ ماذا تقول للآخر وهي العربية التي جاءت إلى كندا لتصنع لها مستقرا ومتاعا معنويا؟ أي الكلمات تصلح لتفسير ما جرى وأي الكلمات تحمل المواساة لآلاف المفجوعين؟
وكان ما كان وبرهنت السيدة على مهنية عالية كانت باكورة سنوات من الممارسة الميدانية بدأت سنة 1997 برفقة بعض الأفراد المتطوعين الذين رأوا أن الغياب يسلبك فرصة الدفاع عن الذات، فكان المدخل الحيز الإعلامي الذي تمنحه جامعة McGill للجاليات الموجودة في كندا.
اثنتا عشرة سنة من العمل الإذاعي المتواصل بصفة تطوعية ليست بالأمر الهيّن، بدءا باقتناص المواضيع الطازجة والبحث عن الضيوف المتميزين والإلمام بالأحداث والمستجدات، كل ذلك يتطلب الإرادة والصبر ولا ينقص السيدة سماء هذا وهي التي شربت من ماء النيل وترعرعت في كنف أسرة ثورية ثم سافرت بعد الجامعة إلى كندا وتزوجت كنديا هناك.
كل سنة تقوم البرامج الإذاعية التطوعية بحملة جمع التبرعات بغرض تغطية التكاليف ليكون برنامج القافلة...."كرفان" www.ckut.caهو من يحصد المبلغ الأعلى بما يفوق خمسة آلاف دولار.
يقوم التوجه الأساسي للمحطة الجامعية على نبذ كل ما يدعو أو يلمح لكل من: الكراهية، نشر ديانة معينة، معاداة السامية و المقاطعة.
بين موسيقى العود والكلمة الرزينة تصنع المذيعة المصرية سماء الأبياري سمفونية التناغم والثراء بحضور ضيوف جلّهم أساتذة جامعة، رجال وسيدات أعمال ونخبة مثقفة.
وأما ما يتعلق بالمرأة، فقد كان الموعد مع الموضوع الذي ألهب الكثير من المناقشات وهو العنف ضد المرأة، فبرغم ما جنته المرأة من المكاسب النضالية فإن العنف مازال يتربص بها، لتقول السيدة سماء بكل وضوح وصراحة إن الإسلام أعز المرأة منذ قرون وأوصى بها خيرا ورفقا.
فليس تكريم المرأة مقرونا بالثامن من مارس بل هو احترام لها وعرفان لها مادامت الأرض تدور.
وتعترف السيدة سماء قائلة " لقد أحدثت الإنترنت قفزة نوعية من حيث توفر المصادر وتنوعها والتواصل الدائم مع الآخرين، لقد صارت عندي شبكة من العلاقات مع مختلف القطاعات تمدني باستمرار بالمعلومة وفي أوانها".
ليس هذا فقط ما اعترفت به المذيعة سماء فهناك أيضا البوح بالجانب الرومانسي في حياتها الزوجية " زوجي كريم النفس والطبع والعطاء، أنا أعمل بصفة تطوعية ولا أتقاضي راتبا نظير ذلك وليس لي مدخول آخر، إلا أن زوجي يغمرني بكل شيء".
من خلفيتي الإذاعية أردت أن أعرف من السيدة رأيها حول ما يتردد عن العرب ومحنة الإعلام، هل الإعلام يستهدف العرب خارج أوطانهم؟ ويخدرهم داخلها؟
ردت سماء " الإعلام أداة تجعل الخطأ مكلفا، ونحن العرب أخطأنا كثيرا في عملية الشد والرخو، وليس أمامنا إلا أن نسرع في إعداد جيل برؤية إعلامية مسئولة، لا اقصد أن الكل يتحول إلى مجال الإعلام بل أعني أن كل واحد يمكن أن يصبح إعلاميا في تعاطيه مع القضايا التي تتعلق بموقع العرب، يستطيع كل واحد أن يكتب مثلا ردا منطقيا موزونا على مقال نشر أو خبر أذيع ورأى فيه ما يسيء لمبادئنا وكرامتنا ومصالحنا بعيدا عن التنديد الشفوي والتصعيد الشارعي".
وتسعى هذه الإعلامية إلى إطلاق برنامج جديد تصنع حلقاته ملفات السجناء السياسيين وهي تمتلك مجموعة من المعلومات التي تؤهلها لخوض غمار التجربة بنجاح من منطلق أنها منخرطة ضمن منظمة العفو الدولية. إضافة إلى ذلك في أجندتها يقبع برنامج آخر ينتظر الفرصة المواتية موضوعه الرفق بالحيوان نظرا للمشاهد الصادمة التي قابلتها في حياتها.
وقبل أن أصافحها لأودع هذا الوجه الإذاعي الذي يناضل في صمت، سألتها إن كنت أنا أول من فكر في رسم بورتريه متواضع عنها ابتسمت وهي تدعوني لإكمال القهوة التي لم أرتشف منها إلا القليل " أنا فخورة بكم كإعلاميين عرب تبحثون عن الحقيقة في مهدها".
سهى بشارة...النضال العابر للقارات